*عائدة الخالدي
انطلق القطار الليلي بنا من سويسرا عبر الأراضي الفرنسية إلى إسبانيا، ووصلنا صباح اليوم التالي إلى برشلونة عاصمة "كاتالونيا" التي لم نر منها سوى محطتها والمقهى المجاور حيث تناولنا فطورنا لينطلق بنا قطار آخر إلى الأندلس.
أعادت هذه الرحلة في الذاكرة البدايات العربية في إسبانيا: في ربيع سنة 711 م، عبر طارق بن زياد بإمرة موسى بن النصير الشمال الإفريقي العربي إلى بلاد القوط الغربية في جنوب إسبانيا.
كان القوط الغربيون يعانون من الضعف السياسي والاجتماعي، ومن الصراعات الاقطاعية والدينية.. وكان ملكهم قد اتخذ من طليطلة عاصمة له.
رحلة طارق كانت بالدرجة الأولى استكشافية، وفي السنة التالية تمكن العرب من التغلغل في شبه الجزيرة الايبرية، وبسط سلطانهم في أقل من ثلاث سنوات حتى مشارف الجبال شمال طليطلة.
احتك العرب بالسكان وتزوجوا نسائهم، وسادت روح التسامح في ظل أعلام النبي الخضراء. وبعد مرور 45 سنة على وصول طارق وموسى إلى الأندلس (أي في سنة 756)، استقل الأموي عبد الرحمن الأول في إمارة قرطبة.
كان عبد الرحمن هو الأموي الوحيد الذي نجا من المذبحة التي قام بها العباسيون للتخلص من آخر الأمويين لدى توليهم الخلافة.
ووقفنا في هذه الرحلة عند عناوين المكان والتاريخ.
قرطبة.. منارة للحضارة
بوابة قديمة في سور قديم كان يوماً يحيط بالمدينة، تفصل ما بين شطريها قديمه وحديثه.. ما إن تلج البوابة حتى تشعر وكأنك ولجت عبر آلة للوقت لتجد نفسك في زمن آخر.. أزقة ضيقة منارة بالقناديل، وبيوت شرقية بنوافذ ضيقة، وجدران عالية.. أسماء حواري عربية (مكتوبة بأحرف لاتينية).

تشتم عبق الياسمين مختلطاً بعبق التاريخ؛ فتسمع حوافر خيل وخلخال امرأة عابرة، وتلمح عمائم رجال، ثم يوقظك من الحلم الجميل صوت لسائح أمريكي عبر للتو الزقاق مع زوجه فيعيدك إلى القرن العشرين!

من الصعب أن يتصور المرء أن قرطبة كانت عامرة بخمسمائة مسجد، وأن عدد سكانها ثلاث أو أربع أضعاف عدد سكانها الحاليين.
كانت الشوارع مرصوفة بالحجارة تنار مساء بالقناديل، وبلغ عدد مساكنها (عدا القصور) أكثر من 133 ألف، ومتاجرها وورشاتها 80 ألف، ومدارسها 08ن حيث كانت تكاليف الدراسة فيها مجانية، بالإضافة إلى الكثير من الحمامات والمشافي والمكتبات.

بنى عبد الرحمن القصور والحدائق والحمامات والمدارس، وفي سنة 785 اشترى من المسيحيين أرضاً (حيث بنيت الكاتدرائية القوطية الغربية)، بالقرب من نهر الوادي الكبير ليبني عليها مسجد قرطبة الكبير.
مسجد قرطبة الكبير
مع أن المسجد قد تم توسيعه ثلاث مرات في نهاية القرن العاشر، إلا أنه ظل محتفظاً بطابعه القديم، وقد شيدت فيه غابة من 856 من الأعمدة الرشيقة ذات الأقواس المضاعفة والمتشابكة، ومن عجائب هندسته الفريدة أن المحراب يبقى دائماً على مرأى البصر في نهاية كل صفين من الأعمدة، وفي أي اتجاه كان.

ومسجد قرطبة هو المسجد الوحيد في إسبانيا الذي لم تمتد إليه يد الخراب.

المدينة الزاهرة
على بعد 10 كم من قرطبة بنى عبد الرحمن الثالث مقره الصيفي الرائع وسماه المدينة الزاهرة، وقد ساهم في البناء 10,000 شخص مدة 25 سنة، واستخدم في البناء الرخام والذهب والخشاب النادرة الثمينة؛ إلا أن هذا البناء تم تهديمه جزئياُ على أيدي جماعة من المتطرفين في بداية القرن الحادي عشر، وتبقى الآثار المتبقية خير دليل على ما كانت عليه المدينة الزاهرة من جمال وفخامة.

في ظل الخليفة عبد الرحمن الثالث وابنه الحكم الثاني، أضحت قرطبة منارة للحضارة في أوروبا القرن العاشر، ولولا قرطبة لما تمكنت أوروبا من التقدم في مضمار الطب وعلم الصيدلة، حيث ترجمت كتب العلماء العرب إلى اللاتينية، وتم طباعتها ثانية في عصر النهضة. وقد برع العرب في الجراحة والتخدير، وأبحاثهم عن الأمراض المعدية، واستخداماتهم للنباتات الطبي، وأول صيدلية عرفتها أوروبا كانت للأندلس.

كان العلماء العرب في معظم الأحوال شعراء ورياضيون وفلاسفة، كابن رشد القرطبي الذي لا يخفى أثره على أوروبا المسيحية، خاصة وأنها تعرفت بفضله على أرسطو اليوناني.

دخلت مصطلحات وكلمات عربية كثيرة قواميس اللغات الأوروبية (خاصة الإسبانية) مثل أثير، كحول، سكر، قطن.. الخ. والطريف أن اللغة الإسبانية هي اللغة الأوروبية الوحيدة باستخدامها للحرفين العربيين الثاء والخاء وأداة التعريف "ال".
اشبيليا عاصمة الأندلس

ازدهرت اشبيليا في ظل العرب في القرن الثاني عشر، إلا أن موجات التخريب التي توالت على المدينة لم تبق من آثارها سوى القليل، وأبرزها جزء من السور الذي كان محيطاً بالمدينة، وهو "برج الذهب"، وكانت لوحات السيراميك المذهبة تزين جدرانه.

ترتفع "الجيرالدا" شامخة فوق أسطح منازل اشبيليا، وتعتبر أهم معالم المدينة، وقد بنيت سنة 1184 كمئذنة لمسجد اشبيليا الكبير (الذي تحول مع مئذنته إلى كاتدرائية كحال مسجد قرطبة).
يبلغ ارتفاع الجيرالدا 09 متراً، وقد تم بناء القمة المتحركة حسب اتجاه الرياح في القرن السادس عشر، ومنذ ذلك الحين أصبحت الجيرالدا تعرف بهذا الاسم نسبة إلى التمثال في أعلاها.

بالقرب من الجيرالدا يقع "الكازار" (أي القصر)، وفي هذا الموقع بنى القيصر الروماني مقراُ له، وتولى الحكام على مر العصور تجديد البناء أو إنشاء مبنى جديد في نفس المكان.
الجزء الأكبر من القصر بناه الموحدون في القرن الثاني عشر، وتتميز القاعات ببهائها، وبتصاميم الزخارف المصنوعة من الجص، ومن الخزف الملون الذي يغلب عليه اللونين الفيروزي والأزرق، وتم تجديد القصر في القرن الرابع عشر، وجلب ملكه الإسباني خيرة الفنانين والمهندسين العرب لهذا الغرض خصيصاً.

وفي "تريانا" (وهو حي المدينة الواقع على الطرف الآخر للنهر)، ورشات للخزف ما زالت تعتمد في تصاميمها على النقوش العربية القديمة.

غروب الشمس أخّاذ في اشبيليا عندما تنعكس أشعتها الارجوانية على نهر الوادي الكبير الذي عبره الفايكنج القادمون من الشمال الاسكندنافي إلى اشبيليا وخربوها.. ويعبر العرب ذات النهر؛ فتزدهر المدينة في عهدهم.

المزيد